فخر الدين الرازي
200
تفسير الرازي
كبار اليهود : لقد كفرتم وخسرتم ، فأنزل الله تعالى لبيان فضلهم هذه الآية ، وقيل : إنه تعالى لما وصف أهل الكتاب في الآية المتقدمة بالصفات المذمومة ذكر هذه الآية لبيان أن كل أهل الكتاب ليسوا كذلك ، بل فيهم من يكون موصوفاً بالصفات الحميدة والخصال المرضية ، قال الثوري : بلغني أنها نزلت في قوم كانوا يصلون ما بين المغرب والعشاء ، وعن عطاء : أنها نزلت في أربعين من أهل نجران واثنين وثلاثين من الحبشة وثلاثة من الروم كانوا على دين عيسى وصدقوا بمحمد عليه الصلاة والسلام . والقول الثاني : أن يكون المراد بأهل الكتاب كل من أوتي الكتاب من أهل الأديان ، وعلى هذا القول يكون المسلمين من جملتهم ، قال تعالى : * ( ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا ) * ( فاطر : 32 ) ومما يدل على هذا ما روى ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم أخر صلاة العشاء ثم خرج إلى المسجد ، فإذا الناس ينتظرون الصلاة ، فقال : " أما إنه ليس من أهل الأديان أحد يذكر الله تعالى هذه الساعة غيركم " وقرأ هذه الآية ، قال القفال رحمه الله : ولا يبعد أن يقال : أولئك الحاضرون كانوا نفراً من مؤمني أهل الكتاب ، فقيل ليس يستوي من أهل الكتاب هؤلاء الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم فأقاموا صلاة العتمة في الساعة التي ينام فيها غيرهم من أهل الكتاب الذين لم يؤمنوا ، ولم يبعد أيضاً أن يقال : المراد كل من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم فسماهم الله بأهل الكتاب ، كأنه قيل : أولئك الذين سموا أنفسهم بأهل الكتاب حالهم وصفتهم تلك الخصال الذميمة والمسلمون الذين سماهم الله بأهل الكتاب حالهم وصفتهم هكذا ، يستويان ؟ فيكون الغرض من هذه الآية تقرير فضيلة أهل الإسلام تأكيداً لما تقدم من قوله * ( كنتم خير أمة ) * ( آل عمران : 110 ) وهو كقوله * ( أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً لا يستوون ) * ( السجدة : 18 ) . ثم اعلم أنه تعالى مدح الأمة المذكورة في هذه الآية بصفات ثمانية . الصفة الأولى : أنها قائمة وفيها أقوال الأول : أنها قائمة في الصلاة يتلون آيات الله آناء الليل فعبّر عن تهجدهم بتلاوة القرآن في ساعات الليل وهو كقوله * ( والذين يبيتون لربهم سجداً وقياماً ) * ( الفرقان : 64 ) وقوله * ( إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ) * ( المزمل : 20 ) وقوله * ( قم الليل ) * ( المزمل : 2 ) وقوله * ( وقوموا لله قانتين ) * ( البقرة : 238 ) والذي يدل على أن المراد من هذا القيام في الصلاة قوله * ( وهم يسجدون ) * والظاهر أن السجدة لا تكون إلا في الصلاة . والقول الثاني : في تفسير كونها قائمة : أنها ثابتة على التمسك بالدين الحق ملازمة له غير مضطربة في التمسك به كقوله * ( إلا ما دمت عليه قائماً ) * ( آل عمران : 75 ) أي ملازماً للاقتضاء ثابتاً على المطالبة مستقصياً فيها ،